لا يبدو اللقاء الثاني الذي جمع رئيس جهاز المخابرات العراقي حميد الشطري بالرئيس السوري أحمد الشرع حدثاً عادياً في سياق العلاقات الثنائية، بل يعكس تحولات أعمق في مقاربة بغداد ودمشق تجاه التهديدات المشتركة. فالتوقيت وحده يفتح الباب أمام أسئلة عديدة: لماذا الآن؟ ولماذا بهذا المستوى من التنسيق؟ ولماذا يُصر الطرفان على جعل التعاون الأمني محوراً أساسياً في جدول أعمالهما؟
في وقت تتصاعد فيه الأحاديث عن احتمال تسليم محافظة دير الزور بالكامل إلى حكومة الشرع، تتزايد المخاوف العراقية من أن يشكل هذا التطور ثغرة خطرة تفتح الطريق أمام تهديدات مباشرة للأمن الداخلي. فالنشاط المتنامي للجماعات الإرهابية وشبكات التهريب المنظمة التي تستغل الثغرات الحدودية بين البلدين، يجعل من التعاون الأمني ضرورة أكثر من كونه خياراً.
ملف دير الزور يظل الأكثر حساسية، إذ ترتبط التطورات فيه ارتباطاً مباشراً بالواقع الأمني العراقي. المخاوف تتركز على احتمال هروب عناصر تنظيم داعش من السجون المنتشرة في المحافظة، خاصة أن الإدارة الذاتية الكردية ما زالت تحتفظ بمفاتيح ملف السجون منذ عام 2017، الأمر الذي يجعل هذه الورقة قابلة للاستخدام السياسي والأمني في أي لحظة. فالتهديد لا يقتصر على الداخل السوري، بل قد يمتد إلى العراق عبر عمليات تسلل لعناصر التنظيم، أو تنفيذ هجمات إرهابية، أو إدخال أسلحة ومعدات تهدد الاستقرار.
التعاون الاستخباراتي بين بغداد ودمشق في هذه المرحلة الحرجة يبدو محاولة استباقية لتطويق الخطر. فالتنسيق في تبادل المعلومات، ورسم خطط ميدانية لضبط الحدود، وتعقب الخلايا النائمة، كلها أدوات تهدف إلى منع تكرار السيناريوهات التي عاشتها المنطقة خلال السنوات الماضية. وفي المقابل، لم يعد أمام العراق ترف الاكتفاء بالمراقبة من بعيد، بل بات مضطراً إلى رفع مستوى الشراكة الأمنية مع دمشق إلى أقصى حدودها.
الاجتماع الأخير بين الشطري والشرع يتجاوز البعد الثنائي ليأخذ بعداً إقليمياً أشمل، إذ أن استقرار المشرق العربي برمته بات مرهوناً بما يجري في هذه البقعة الملتهبة من سوريا. ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحاً: هل سينجح الطرفان في تحويل هذه اللقاءات المتكررة إلى منظومة أمنية راسخة تُنتج الاستقرار وتصدّره إلى الجوار، أم أن ضغوط القوى الإقليمية والدولية ستجعل هذا التنسيق محكوماً بالظرف الطارئ واللحظة الحرجة؟